محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

مقدمة 30

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

الأوّل : اتّجاهه النقدي للمذاهب الكلامية الإسلامية وعدم التزامه بالتوجّه الأشعري السائد في زمانه . فالرجل توفّرت فيه مؤهلات ذاتية واكتسابية جعلته يبحث عن الحقيقة بمعزل عن التقليد . ويظهر أنّه اتّجه في بداية حياته العلمية إلى الفلسفة ، وهو اتّجاه فيه لون من التحدّي ؛ لأنّ الجوّ الذي عاش فيه تأثّر بالموجة التي قادها الغزالي ( ت 505 ه ) على الفلسفة المشّائية ممثّلة في ابن سينا ؛ ولعلّ عبارة الخوارزمي : « فكان يبالغ في نصرة مذاهب الفلاسفة والذبّ عنهم » تشير إلى هذه الفترة من حياة أبي الفتح . يبدو من مؤلّفاته الموجودة - خاصّة نهاية الإقدام ومصارعة الفلاسفة - أنّه تعمّق في الفلسفة واستوعبها وأضاف إليها حتّى عدّه بعض المعاصرين بأنّه « آخر فيلسوف عظيم قبل ابن رشد » وكان « ذا أصالة فكرية » « 1 » . ثمّ حدث التحوّل عند الشهرستاني حين تتلمذه على يد أبي القاسم الأنصاري . فهذا الأستاذ كان ملتزما بمبدأين تأثّر بهما تلميذه : عدم زجّ العقل في ما يقصر عن دركه ، وفهم الدين وفق أسرار أهل بيت رسول اللّه . بشأن المبدأ الأوّل يقول الشهرستاني : « وكثيرا ما كنّا نراجع أستاذنا وإمامنا ناصر السنّة ، صاحب الغنية وشرح الإرشاد أبا القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري في المسألة ( مسألة قدم العالم أو حدوثه ) فيتكلّم عليها ، وما يزيد فيها على أنّ إثبات وجه فاعلية الباري سبحانه ممّا يقصر عن دركه عقول العقلاء » « 2 » وبالنسبة إلى المبدأ الثاني الذي أخذه أبو الفتح عن أستاذه فهو يمثّل قاعدة مدرسته الفكرية ؛ وسنتحدّث عنه في مفاتيح أسرار الشهرستاني . استنادا إلى هذين المبدأين وجّه الشهرستاني نقدا عنيفا إلى الفلاسفة والمتكلّمين في مسائل الخالق والخلق والنبوّة في كتبه ورسائله ومجالسه ، وخيّل لمعظم من ترجم له أو كتب عنه أنّ أبا الفتح إنّما فعل ذلك دفاعا عن المذهب الأشعري ، لكنّه يصرّح في مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار أنّ الأشاعرة والمعتزلة كلاهما وقعا في خبط وعماية . يقول في

--> ( 1 ) . وليم كيورتن في مقدّمته الألمانية لكتاب نهاية الإقدام ، ط 1 ، ص 9 - 10 . ( 2 ) . نهاية الإقدام / 38 .